فخر الدين الرازي
103
تفسير الرازي
لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه الأول : أنه تعالى لما قال بعض إيجاب فرض الصوم وبيان أحكامه : * ( ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ) * ( البقرة : 185 ) فأمر بعد التكبير الذي هو الذكر وبالشكر ، بين أنه سبحانه بلطفه ورحمته قريب من العبد مطلع على ذكره وشكره فيسمع نداءه ، ويجيب دعاءه ، ولا يخيب رجاءه والثاني : أن أمر بالتكبير أولاً ثم رغبه في الدعاء ثانياً ، تنبيهاً على أن الدعاء لا بد وأن يكون مسبوقاً بالثناء الجميل ، ألا ترى أن الخليل عليه السلام لما أراد الدعاء قدم عليه الثناء ، فقال أولاً : * ( الذي خلقني فهو يهدين ) * ( الشعراء : 78 ) إلى قوله : * ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) * ( الشعراء : 82 ) وكل هذا ثناء منه على الله تعالى ثم شرع بعده في الدعاء فقال : * ( رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين ) * ( الشعراء : 83 ) فكذا ههنا أمر بالتكبير أولاً ثم شرع بعده في الدعاء ثانياً الثالث : إن الله تعالى لما فرض عليهم الصيام كما فرض على الذين من قبلهم ، وكان ذلك على أنهم إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم ، فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا الله في ذلك التكليف ، ثم ندموا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن توبتهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية مخبراً لهم بقبول توبتهم ، ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم . المسألة الثانية : ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً أحدها : ما روي عن كعب أنه قال ، قال موسى عليه السلام : يا رب أقريب أنت فأناجيك ، أم بعيد فأناديك ؟ فقال : يا موسى أنا جليس من ذكرني ، قال : يا رب فإنا نكون على حالة نجلك أن نذكرك عليها من جنابة وغائط ، قال : يا موسى اذكرني على كل حال ، فلما كان الأمر على هذه الصفة رغب الله تعالى عباده في ذكره وفي الرجوع إليه في جميع الأحوال ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وثانيها : أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أقريب ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية وثالثها : أنه عليه السلام كان في غزوة وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء ، فقال عليه السلام : " إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً " ورابعها : ما روي عن قتادة وغيره أن سببه أن الصحابة قالوا : كيف ندعو ربنا يا نبي الله ؟ فأنزل هذه الآية وخامسها : قال عطاء وغيره : إنهم سألوه في أي ساعة ندعو الله ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية وسادسها : ما ذكره ابن